Donnerstag 18. 2018 (Hamburg)
الفجـر 06:21
طلـوع الشمس 08:22
الظهـر 12:31
العصـر 14:14
المغـرب 17:05
العشـاء 18:12
منتصف اللیل 23:27
الصفحة الأصلیّة :: الأخبار :: المخزن :: 01.06.2011 - مؤتمر الإمام جعفر صادق (ع) في مرکز التراث في...
التعلیق: 0

مؤتمر الإمام جعفر صادق (ع) في مرکز التراث في برلین

لقد عُقِد مؤتمر في یوم الأحد المصادف 2/10/2011 و ذلک في الساعة الخامسة بعد الظهر في مرکز التراث في برلین تحت عنوان « أحیوا أمرنا فمن أحیا أمرنا أخذه الله في رحمته » و ذلک بمناسبة أیّام إستشهاد النور السرمدي و مُحیي مذهب التشیع الإمام جعفر صادق (ع) و قد حضر المؤتمر العدید من العلماء و المحبّين لأهل بیت العصمة الطیّبین الطاهرین (ع) من مختلف القومیّات.

و قد تطرّق الناطقین في هذا المؤتمر من بعد تلاوة آیات من القرآن الکریم إلی الأبعاد الکثیرة لشخصیّة الإمام الصادق(ع) و عظمته .

و کان أحد الخطباء في هذا المؤتمر هو آیة الله الدكتور رضا الرمضاني إمام و مدیر المركز الإسلامي في هامبورغ و بدأ كلامه كما یلي:


بسم الله الرحمن الرحیم

 

الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ثم الصلوة والسلام والتحیة والإكرام علی سیّدنا و نبیّنا و شفیع ذنوبنا و طبیب نفوسنا أبی القاسم المصطفی مُحمّد (ص) و علی أهل بیته الطیّبن الطاهرین .

أقدِّم لكم جمیعًا أوّلاً أیّها الأخوات و الإخوة الأعزّاء التعازي و التسلیة بمناسبة شهادة رئیس المذهب الشیعي الإمام جعفرالصادق (ع) ونرجوالله تبارك وتعالی أن یمنّ علینا بالتوفیق للمزید من معرفة ذلك الإمام العظیم و إتّباعه.

إنَّ ما لا شكّ فیه هو أنَّ هذه الإجتماعات تهیّئ لنا كتابعي أهل البیت (ع) الأرضیّة الفكریّة و المعنویّة و الأخلاقیّة لكي نتعلّم المزید من الإقتداء بهم في سیرة حیاتنا و لذلك نقرأ في بدایة الكلام هذا الدعاء المشهور الذي توجّه به الإمام الصادق (ع) إلی الله تبارك و تعالی قائلاً : « أللّهُمَّ عَرِّفْنی نَفْسَكَ فَإِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنی نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ اَللّهُمَّ عَرِّفْنی رَسُولَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنی رَسُولَكَ لَمْ اَعْرِفْ حُجَّتَكَ اَللّهُمَّ عَرِّفْنی حُجَّتَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنی حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دینی »  

فنرجو من الله جلّ و علا أن یمنّ علینا بالتوفیق للتعمّق في معرفة السیرة العلمیّة و العملیّة لأهل البیت العِظام (ع) و أن یوثق و یُعمِّق محبّتنا لهم و أن نشدّ الوثاق معهم و نطیع كلامهم و نعمل بمواعظهم الحكیمة ساعین بذلك كسب مرضاته عزّ و جلّ.  

إنَّنا نری في القرآن الكریم الوصایا الحثیثة لنكون محبّین لهم صادقین في عهدنا معهم كما نری ذلك في القرآن الكریم « كونوا مع الصادقین » كما و أنَّ الرسول الأكرم المصطفی الأمجد إبو القاسم محمّد (ص) وصّانا أن لا نبتعد عن القرآن الكریم و عن أهل بیته الكرام الذین لا ینفصلون عن بعضهم في وصیّته المعروفة التي قال فیها : « إنّي تاركٌ فیكم الثقلین كتاب الله و عترتي فانهما لن یفترقا حتی یردا علی الحوض ». 

هنالك الكثیر من الكتب التي فیها الكلام و الروایات عن الإمام الصادق (ع) و في كلٍّ منها بیان وجهة من الأبعاد المختلفة لهذه الشخصیّة العظیمة في العالم الإسلاميّ و نتطرّق هنا إلی البعض من هذه البیانات.

إنَّ ما لا شكّ فیه هو أنَّ في ألقاب الأئمّة المعصومین (ع) بیان المنزلة العظیمة التي كانوا فیها و في كلٍّ من هذه الألقاب بعدٌ من الأبعاد الوجودیّة و درجة من الدرجات المعنویّة العلیا لهم . و فیما یخصّ الإمام جعفر الصادق (ع) فله أیضًا العدید من الألقاب التي نری في كلٍّ منها بیان المقام و الدرجة العلیا و الكرامة الإنسانیّة لحضرته.

و من أشهر ألقابه (ع) هو لقب « الصادق » الذي أُعطِيَ له نتیجة للكثیرمن الأحادیث التي نُقِلَت عنه و بسبب تأسیس « جامعة العلوم الإسلامیّة » العظیمة التي درّس فیها و ربّی التلامیذ الذین كانوا رواة الأحكام الدینیّة الصحیحة.  

و كان یُلقَّب بِلَقَبِ « الصابر» من بعد ما عاناه من المِحَن و المشقّات الكثیرة في زمان الحكّام الظالمین و قد تحمّلها بالصبر و الإستقامة. كما و كان من ألقابه هو لقب « الفاضل » و « الطاهر» و صار معروفًا بها لتوسّمه بالفضائل الأخلاقیّة و ترویجها في المجتمع.

و كان «عمود الشرف» من ألقابه الأخری ، فإنـَّه كان نموذجًا للثبات و أساسًا للشرافة و كان « الكافل»  أیضًا من ألقابه ، حیث كان یكفل الیتامی و المساكین .

لقد ذُكر الكثیر من الأوصاف للشخصیّة العظیمة للإمام الصادق (ع) لیس من المؤیِّدین فقط ، بل و حتی من المخالفین له و من أجمل ما ذُكر عنه هو ما قاله أبوه الإمام محمّد الباقر (ع) إذ قال عن إبنه : « هذا خیر البریّة » و نعم الإمام الذي هو خیر البریّة في العلم و المعارف و الفضائل و الأخلاق و الفقه و . و . . .

إنَّ مالك بن أنس الذي هو أحد أئمّة المذاهب الأربعة وصف الإمام جعفر الصادق (ع) بقوله : « ما من عینٍ رأت ولا أن أذنٌ سمِعَت و لا أن خَطَرَ علی بالِ بَشرٍ مَن هوَ أولی وَ أعلی مِن جَعفرِ بنِ مُحمّدٍ في العلم و العبادة و التقوی. »

و قال المنصور الدوانیقي : « إنَّ جعفر بن محمّد (ع) من الذین قال الله تبارك و تعالی عنهم في كتابه المبین: « ثمَّ أورثنا الكِتابَ الذین إصطفینا مِن عبادنا ». و قال أبو حاتم محمد بن حیّان « إنـَّه یُعدُّ من الكبار في ما یخصُّ العلم و الفقه و الفضیلة.» . و أمّا أبو حنیفة الذي هو مؤسس الفرقة الحنفیّة فقد قال : « إنـّني لم أر من هو أعلم من جعفر بن محمّد (ع) » كما و رُويَ عنه أنـَّه قال « لولا السَّنَتان لَهَلَكَ نعمان» أي السنتین التي كان یدرس خلالها عند الإمام (ع).

و ما نراه مُهمًّا فیما یخصّ شخصیّة الإمام الصادق (ع) و یجب الكلام عنه ، هو أنـَّه كان الإمام المثاليّ الذي كان یسعی دائمًا لهدایة المجتمع و قیادته نحو الكمال و السعادة.

و لیس الإمام من وجهة نظرنا هو أن یكون الحاكم فقط ، بل إنَّ الحكم علی أساس العدالة و المعنویّات هي من إحدی فضائل الإمام (ع) و لكن و مع الأسف الشدید لم تتهیّأ له الظروف بسبب العدید من العوامل و العِلل لیُشَكِّل الحكومة الدینیّة في حیاته. و أمّا ما یخصّ التدریس و تربیة التلامیذ و الراغبین للتعلُّم ،فقد أدّی ذلك (ع) بأحسن ما كان لیكون.

إنـَّه قام بإداء العدید من الإصلاحات كإمام المجتمع بناءًا علی أساس تمییز حوائج الناس و الضروریّات الإجتماعیّة مراعیًا ما هو أوجبٌ للإجراء و معرفته الدقیقة لما هو مضرٌّ للجامعة و إمتناعه للحفظ من الإنحراف في الدین و من جملة ما قام به كان :  

1.    البحوث العقائدیّة : إنَّ إثبات المحور العقائدي الذي قام به الإمام (ع) كانت حركة عظیمة في هذا الحقل من ناحیة البحوث العقائدیّة و البحوث الجذریّة و البنیانیّة فیما یخصّ الإیمان، إذ لو لم تكن هنالك للإنسان عقیدة سالمة ذات إستحكام، فسوف لم یكن سالمًا في المجالات الأخری . إنـَّه (ع) عیّن و بیّن الأمورالشرعیّة و الواجبات الفردیّة و الإجتماعیّة و كان یُدرِّسها علی مختلف وجهاتها و قد بیّن بذلك عدم مشروعیّة حكم الطاغوت و الحكّام الذین إستولوا علی الحكم بالظلم و الجور. إنـَّه هو الذي قد نشر سُبُل الهدایة و العقائد و السیاسة وفقًا للظروف السائدة في ذلك الزمان .

و ما یجب ذكره هنا هو أنَّ عصر الإمام الصادق (ع) كان أشدّ العصور حسّاسیّة في طوال تأریخ الإسلام. إذ كانت هنالك من جهة الإغتشاشات و الثورات المتتابعة من الفرق المختلفة و خصوصًا من طرف الطالبین بثأر الإمام الحسین (ع) وأهمّ تلك التحرّكات كانت ثورة « أبو سَلَمَة » في الكوفة و ثورة « أبو مُسلم » في خراسان التي هي من مدن إیران.

إنَّ النهضة العلمیّة الكبری للإمام الصادق (ع) قد منحت رونقًا لامعًا إلی حقائق الإسلام لدرجة بحیث أنـَّه تمّ تأسیس الفروع الجدیدة للعلوم الإلهیّة و الإنسانیّة و تربیة التلامیذ المتخصُّصین و هذه المساعي هي التي أدَّت إلی تنزیه المجتمع الإسلامي و نجاته من الإلحاد و اللادینیّة و الكفر و الإنحراف و لذلك یكون للإمام الصادق (ع) حقٌّ كبیر علی كلّ المسلمین و التابعين الصادقین لرسالة الرسول الأكرم (ص) و أن یشكروه للإصلاحات العظیمة التي قام بها. و لیس معنی كلّ هذه الحقائق هو أنَّ المذهب الشیعيّ قد نشأ في ذلك الزمان أو من بعده ، و لكن و مع الأسف یروِّج البعض هذه الإشاعة الوهمیّة.

أنَّ تواجُد الشیعة و إتباعهم للعترة النبویّة الطاهرة بدأ من زمان الرسول الأكرم (ص) و الذین یتأمَّلون بدقّة في المتون التأریخیّة و الروایات الموجودة بهذا الخصوص منذ زمان الرسول (ص) یؤیِّدون ذلك من دون تردید. و لكن في زمان الإمام الصادق (ع) الذي قد أخذ إیضاح كلّ هذه الأمور علی عاتقه الشریف لم یكن مستهدفًا بذلك إلّا تثبیت كیان الإسلام و حفظه من الآفات و الإختلافات.

2.    المحور الفكری و الثقافي : لقد نشأت في زمان الإمام الصادق (ع) بعض الأفكار الإفراطیّة و الإلتقاطیّة و الإنحرافیّة و الإلحادیّة التي كان یجب الوقوف أمامها بالوسائل العلمیّة و التعلیمیّة و التربویّة. فكان هنالك أفراد مثل أبوشاكر الدیصاني أو إبن أبي العوجاء و حتی إبن مقفع الذین كانوا ملحدین و ینكرون الله تبارك و تعالی ـ و العیاذ بالله ـ و كانوا یطرحون الأسئلة فیما یخصّ معرفة الباري عزّ و جلّ و یثیرون الشبهات و كانوا یقولون للإمام الصادق (ع) أثبت لنا الخالق و حاجة الناس إلی الرسول و الأئمّة إن كنت صادقًا فیما تقول .

كان الإمام الصادق (ع) یأتي في المناظرات التي كان یدیرها بالأسالیب المختلفة بالبیانات و الدلائل المناسبة مع مراعاة سطح معارف المُخاطَبین من وجهة النظرات الفلسفیّة و العقلیّة تارةً و تارةً ببیان الأمثلة في إقناعهم بأنَّ الله تبارك و تعالی هو الواجد الماجد الخالق للكائنات.

إنـَّه كان الإمام الصادق (ع) یستعمل أحسن الأسالیب للحوار و النقاش لإثبات الحق ولردّ الأفكار الإنحرافیّة و تربیة و تعلیم تلامیذه و منهم هشام بن الحكم ، هشام بن سالم ، محمد بن مسلم ، مؤمن الطاق و زراره و آخرین من الشخصیّات الإسلامیّة الكبار الذین قاموا بأداء الخدمات العظیمة إلی المعارف الإسلامیّة و ترویج سنن أهل البیت(ع).

3.    المبارزة ضد الإفراط و التفریط : و المساعي الأخری للإمام الصادق (ع) لنشر الهدایة في المجتمع كانت المبارزة ضد الإفراط و التفریط فیما یخصّ الإئمّة المعصومین (ع) إذ كان في ذلك الزمان ثلاثة وجهات نظر تجاههم. فكان من الفرقة الأولی من یغترق في الغلوّ إلی درجة بحیث كانوا یرون الألوهیّة لهم مثل ما بدأ في عهد أمیر المؤمنین عليّ (ع) ووصل ذلك إلی أوج الغلوّ في زمان الإمام الصادق (ع). فكان الإمام الصادق (ع) یسعی للمبارزة ضدّ هذه الحركة و كان یقول لهم بأنَّ تلك الأفكار هي الكفر و الشرك و الفسق و الفجور. كما و كانت هنالك الفرقة الثانیة من المنحرفین عن الحق و هم فرقة الناصبیّین الذین كانوا لا یحترمون الأئمّة و لا یحسّون بالمحبّة و القدسیّة تجاههم . و أمّا الفرقة الثالثة فهم الإعتدالیّون الذین یعتقدون أنَّ المعصومین العظماء هم خیر من كان أهلاً لقیادة المجتمع بعصمتهم وبالعدل و الحكمة و حسن الموعظة و هم الخلفاء الذین إنتخبهم الله تبارك و تعالی .

إنَّ الأئمّة المعصومین (ع) كانوا هم الذین عندهم العلم اللدنّيّ الإلهيّ و قد ذكرهم الرسول الأكرم (ص) لیكونوا خلفائه من بعده لهدایة الناس وقیادة المجتمعات الإنسانیّة في سبیل الرشاد وإنَّ الناس ینالون سعادة الدنیا و الآخرة بإتِّباعهم و الإقتداء بهم.

إنَّ في القرآن الكریم الآیات الكثیرة التي فیها بیان مكانة الإمامة و الولایة. و أهمّ ما كان هو ما جری في أواخر العمر الشریف للرسول الأكرم (ص) في یوم الغدیر ذلك الیوم العظیم الذي أعلن فیه رسول الله إكمال الدین و إتمام نعمة الله علی العالمین حین أعلن أنَّ عليٌّ أمیر المؤمنین (ع) وليّ الله من بعده. و ما نستنتجه الیوم من ما جری في ذلك الیوم العظیم هو أنـّنا یجب أن ننتخب خیرة المؤمنین المتّقین الذین هم أهل العلم و التدبیر لإدارة أمور المجتمع لكي یعیش الناس في المجتمعات البشریّة في رغدٍ و أمان و تحت ظلّ العدالة و سیادة المعنویّات في سیرة الناس و أخلاقهم و تصرّفاتهم. 

4.    إراءة السبل الصحیحة للمعارف الدینیّة : من الأمور التي كان الإمام الصادق (ع) یهتمّ بها كثیرًا و كانت محور مساعیه هو إرائة السبل الصحیحة للمعارف الدینیّة. فلو تمّ تفسیر الإسلام بصورة صحیحة و بالإستناد علی المصادر الموثوقة ، فلا شكَّ في أنَّ المجتمعات الإسلامیّة  سوف تسير نحو الصلاح و النجاة في الدنیا و الآخرة .

إنَّ أحد الأمور التي كان یهتمّ الإمام (ع) بها جدًّا هو سیادة الأفكار الدینیّة الصحیحة في المجتمع و لذلك كان من أهمّ مساعیه ، هو الوقوف أمام تحریف القرآن الكریم والمبارزة ضدّ ذلك ، إذ كان هنالك من هم أرادوا تفسیر القرآن الكریم وفقًا لمیولهم و آرائهم للوصول إلی مصالحهم الشخصیّة.

و كان هنالك و للأسف الشدید من الناس من أرادوا تعریف الإسلام كدین إشرافيّ ، في حین أنّ الإسلام یعود لكلّ أفراد المجتمع و فیه الهدی و الوسائل لحلّ المشاكل الفكریّة و العقائدیّة و الأخلاقیّة و فیه الصلاح للكلّ و فیه خیر الدنیا و الآخرة للجمیع.

لقد ثبّت الإمام الصادق (ع) في زمان إمامته عقائد الناس علی أحسن وجهٍ ممكن و علّمهم الأحكام العملیّة في الإسلام كما و أنـَّه علّم العدید من التلامیذ الذین توصلوا في العلم إلی درجة بحیث كان في وسعهم إستنباط الأحكام العملیّة من آیات القرآن الكریم وبالإستناد علی الأحادیث النبویّة الشریفة و من الكلام المنوّر للرسول الأكرم (ص) و أهل بیته الطیّبین الطاهرین (ع). و قد ربّی الإمام الصادق (ع) علی هذا المنوال ، العدید من المجتهدین المشهورین من تلامیذه الذین كانوا یستنبطون الأحكام علی المنوال الذي كان في حیاة الرسول الأكرم (ص) یُعمل به أیضًا.

و قد عرّف الإمام الصادق (ع) مباني الدین و الأصول الإسلاميّة بذلك التعریف الصحیح و بالأسالیب التعلیمیّة التي یفهمها الكلّ و بصورة صحیحة و أنَّ الدین الإسلاميّ هو دینٌ جامعٌ فیه الجواب علی كلّ المسائل الفردیّة و الإجتماعیّة في المجتمعات البشریّة و كلّ مبادئه هي لحلّ المسائل الفردیّة و الإجتماعیّة و مغزی مبادئه تستهدف نیال الناس للسعادة في الدنیا و الآخرة.

كان الإمام الصادق (ع) یسعی لنشر الأحكام الإسلامیّة العملیّة بین الناس لیعملوا بها و لكي یكون المجتمع الذي كان یعاصره مجتمعًا إسلامیًّا و لكي یبقی الناس علی ذلك و نشّط كلّ القوی لتحقیق هذا الهدف العالي و كان یستفید من كلّ الوسائل و الفرص التي تسنح له ، إذ أنـَّه كان یعلم أنَّ تلک الفُرَص لا تتوفّر طوال عمره الشریف فكیف إذا كانت للأئمّة من بعده و لذلك سعی لإغتنام كل الفرص الزمانیّة علی أحسن ما یمكن.

5.     المحور الروحی و الأخلاقی : كم من الحوادث السیاسیّة تثیر اللواث في المجتمعات و الكثیر من الأمور الأخلاقیّة التي تثیر الفساد في المجتمع مثل الغیبة و التهمة و الرذائل الأخری حین تصبح الآداب مجرّد كلام فارغ و مضادّة للدین. كان الإمام الصادق (ع) كمعلِّم الأخلاق یُبلِّغ الناس النكات الأخلاقیّة بصورة عملیّة ، و كان یوصي الناس بمساعدة الآخرین بصورة جدّیّة حتّی و لو كانوا من النصاری أو الغیر مسلمین و أیّا ما كانوا و كان یروّج الفضائل الدینیّة علی مختلف السبل في المجتمع الإسلاميّ.

6.    تأسیس جامعة العلوم الإسلامیّة : إنَّ من أهمّ الأمور التي قام بها الإمام الصادق (ع)  كان تأسیس جامعة العلوم الإسلامیّة و تربیة المتخصِّصین في مختلف الفروع الدینیّة لینشروا التعالیم الإسلامیّة في المجتمع و من خصائص هذه الجامعة العلمیّة كانت إمكانیّة الدراسة فیها لكلّ الأفراد و لم تكن منحصرة للمسلمین و التابعین لأهل البیت (ع) فقط و كانت مفتوحة حتی للمسیحیّین . إنـّنا نری فیما ورد في التأریخ حتي أنَّ المشركین كانوا یحضرون دروسه  و كان (ع) یستقبلهم بكلّ رحابة و بشاشة و یجیب علی كلّ أسئلتهم بالحكمة و الدرایة و الموعظة الحسنة .

كانت الفروع التي یتمّ تدریسها في تلك الجامعة هي العلوم القرآنیّة و العلوم الإنسانیّة و التفسیر و السنّة و الفقه و الأصول و الكلام و حتّی الدروس الطبّیّة و الصحّیّة و حتی ما یخصُّ حفظ البیئة و محیط المعیشة التي هي من مشاکل یومنا هذا و ذلک من قبل 1400 عام.

وما كانت هذه جامعة العلوم هذه تحت سیطرة أيِّ نظام حكوميّ فلم تكن خاضعة لا للحكومة الأمویّة و لا للحكومة العبّاسیّة و لم یترك الإمام الصادق (ع) المجال لیكون العلم و التعلیم وسائل تحت سیطرة أِّیّة سلطة أو حكومة ، بل إنـَّه كان یستخدمها كوسیلة لإرتقاء مستوی العلم و الدین و التدیُّن و الرشد و الكمال الإسلاميّ. و من الخصائص الأخری لهذه الجامعة العلمیّة كان الإرتباط المباشر مع المنابع الإسلامیّة ، أي القرآن الكریم و نفس الإمام الصادق(ع) الذي کان هو المفسِّر المُعتَمَد الكبیر للقرآن الكریم و وسّع تلک المؤسّسة و كان یستند بنور أحادیث النبيّ الأكرم (ص) في بیان الأحكام الإلهیّة .

و من بعد إستیلاء العبّاسیّین النجاسین علی الحكم إزداد الضغط علی الشیعة كما كان الإمام قد رأی ذلك مسبقًا و إزدادت شدّة الضغط علی الشیعة حین إستولی المنصور الدوانیقي علی السلطة و جعلوا الإمام (ع) تحت الضغط الجائر في تلك الفترة و للأسف الشدید و قد تحمّل (ع) الكثیر من المصاعب التي أدّت به إلی الإنزواء و ما تركوا له أيِّ مجال حتی للإجابة علی أسئلة الناس و قد وصلت الظروف به بالرغم من كلّ الشدائد إلی درجة بحیث أنّ المنصور الدوانیقي رأی أنـَّه لا یصل إلی ما یستهدفه بمجرّد عزل الإمام ، فسخّر حینئذٍ مِن عُملائه مَن قضی علیه و قتل ذلك الإمام الذي كان القائد المعنوي و الفكري للشیعة في عمر الخمسة و ستین عامًا.

نرجو أن نزید معرفةً و محبّةَ و أُنسًا و إحترامًا لذلك الإمام العظیم (ع) مع الفهم و التعمُّق في كلامه.

و في الختام نقدِّم بعض الكلمات الملیئة بنور الهدایة عسی أن تكون لنا مصباح الهدی و لأحبّائنا و أهلنا و ذوینا و منها ما قال االإمام الصادق (ع) :

« یجب الوالدین علی الولد ثلاثة اشیاء : شكرهما علی كل حال، و طاعتهما فیما یامرانه و ینهیانه عنه فی غیر معصیة الله و نصیحتهما فی السرّ و العلانیة و تجب للولد علی والده ثلاث خصال:  اختیاره لوالدته و تحسین اسمه و المبالغة فی تادیبه  » ([1])

« افضل الاعمال : الصلواة لوقتها و برّ الوالدین و الجهاد فی سبیل الله» ([2])

« كونوا دعاة للناس بغیر ألسنتكم لیروا منكم الورع والإجتهاد والصلواة والخیر فإن ذلك داعیه »

« أَقرَبُ ما یَكُونُ العَبدُ إلَی اللهِ وَ هُوَ ساجِدٌ » ([3])

« مَن ماتَ و لَم یعرف إمام زمانِهِ ماتَ میتةً جاهِلیة » ([4])

                                                                                              و السلام علیكم و رحمة الله و بركاته



 تحف العقول، ص 337 نقل عن رساله الحقوق للإمام السجاد علیه السلام شرح النراقی[1]

 تحف العقول، ص 238 نقل عن رساله الحقوق للإمام السجاد علیه السلام شرح النراقی[2]

  (ثواب الاعمال و عقاب الاعمال) [3]

  (ثواب الاعمال و عقاب الاعمال) [4]