Donnerstag 21. حزیران 2018 (Hamburg)
الفجـر 01:47
طلـوع الشمس 04:47
الظهـر 13:22
العصـر 17:49
المغـرب 22:30
العشـاء 23:20
منتصف اللیل 23:58
الصفحة الأصلیّة :: صلاة الجمعة :: المخزن :: 15.03.2010 - الموضوع: ما جاء في القرآن الكریم من معرفة...
التعلیق: 0
الخطیب: إمام المسجد و مدیر المركز

الموضوع: ما جاء في القرآن الكریم من معرفة الإنسان (13 ـ الكرامة الإكتسابیّة للإنسان)

بسمه تعالی شأنه
الحمد لله رب العالمین نحمده و به نستعین و علیه نتوكل و الصلاة و السلام علی أشرف الأنبیاء و المرسلین حبیب إله العالمین المصطفی الأمجد أبي القاسم محمّد و علی آله الطیبین الطاهرین و صحبه أجمعین. عباد الله أوصیكم و نفسي بتقوی الله فإنَّ خیر الزاد التقوی.
 
لقد تكلمنا في الخطبة الماضیة عن الكرامة الذاتیّة للإنسان و رأینا أنـَّها من خصائصه و أنـَّها هي من الوسائل التي جعلها الله تبارك و تعالی في خِلقَةِ الإنسان فعلی الإنسان إذن أن یعرف قدرها و یعتني بها و یستفید منها .و أمّا الكرامة الإكتسابیّة فهي تُطلق علی الكمالات التي یتوصّل إلیها الإنسان في ضلّ الإیمان و القیام بالأعمال الحسنة و هذا النوع من الكرامة یَتبَع سعي المؤمن للتوسُّم بالأخلاق الحسنة والإیثار و المعاییر و القیم الإنسانیّة و هذه كلـَّها هي ملاك التقرُّب إلی الله تبارك و تعالی. 

و بما أنَّ هذه الكرامة تكون قد حصلت بالإختیار الذاتي للقیم ، فیمكن أن تكون المعیار لأفضلیّة الإنسان و لذلك فیكون الذي قد سعی لنیال الأكثر من الإكتسابات ، یكون أقرب إلی الله جلَّ و علا و یكون ذو مكانة و فضیلة أوْلی من الآخرین. و نری في بعض الآیات وصف المسیر للوصول إلی هذه الكرامات و نری فیها أنَّ الذي یتوسّم بالتقوی أكثر من الآخرین فهو الذي یتمتع بالمزید من الكرامة ، كما جاء بیان ذلك في الآیة 13 من سورةالحجرات في قوله تعالی : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ».

و الحقیقة هي أنَّ البحث و التحلیل و الكلام عن كلّ هذه الأمور یكون في هذا الخصوص، و ذلك لأن لو كان الإنسان فاقدًا لهذه الكرامة و لم ینتبه إلی ما له من الدور المؤثـِّر في التغییر و التحوّل في شخصیّته، فهو الذي یبیع نفسه بثمنٍ بخسٍ و ینزل إلی الدرجة السفلی لیكون كالحیوانات ، بل و إلی درجات أسفل و أضلَّ من ذلك و یكون كأحقر الموجودات الحیّة كما نری ذلك في الآیة 22 من سورة الأنفال في قوله تعالی: « إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ » و هؤلاء الناس هم الذین جاء وصف حالهم في یوم القیامة في الآیة 40 من سورة النبأ في قوله تعالی : « . . وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ».

و لذلك فأنَّ في القرآن الكریم تحفیزٌ للإنسان المؤمن علی مختلف الأسالیب و الدلائل لإغتنام فرصة الحیاة والإستفادة منها في دار الممرّ، و أخذ المؤونة منها إلی دار المقرّ، إذ لو أنَّ الإنسان غفل لخَسَر، كما نری بیان ذلك في سورة العصر في قوله تعالی : « و العصر * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . . » و كذلك شرح حال الإنسان الذي ینسی الدین و یأخذه الهلع في الملذّات كما نری وصفه في الآیة 9 وما تلیها من سورة المعارج في قوله جلَّ وعلا: « إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)  . . . .  إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُون . . »

و ما نراه في الآیات التي تصف الكرامة الإكتسابیّة ، هو أنَّ الدرجات التي یصل إلیها الساعین بالتعمُّق في الإیمان و أداء الأعمال الصالحة لینالوها، إنـَّما هي مقاماتٌ حقیقیّة و لیست مجرّد أمور إعتباریّة و معنی ذلك هو أنَّ هذه الحقائق لیست ما یمکن التوصّل إلیها وفقًا لقرارات إجتماعیّة أو وفقًا ما یعتبره بعض العُقلاء، بل إنَّ ما یتوصّل إلیه الإنسان یعود إلی حقیقة وجوده و لیس في وسعِ أيِّ أحدٍ أن یهبها إلی الإنسان أو أن یسلبها منه ، بل إنَّ الفرد هو الذي ینالها بسبب مساعیه التي وصَّلته إلی الإیمان و نال بذلك تلك المقامات و سوف یكون في یوم القیامة ضیفًا لما إكتسبه و لا یقع فاصلٌ بینه و بین ما إكتسبه.

و لذلك فإنَّ الذین مشوا في مسیر الكفر و الشرك و النفاق، تصبح هذه الخصال السیِّئة جزءًا من تركیب أنفسهم و یوم القیامة یحبّون أن یبتعدوا عنها و لكن هذا ما لا یمكن أن یحصل في ذلك الیوم، لأنَّ ذلك الإنسان قد إختار تلك الصفات السیِّئة بنفسه و سار في مسیر القبائح التي تمحوا کلّ الحسنات و لم یبق له أيِّ شئ.
و خلاصة الکلام هو أنَّ الوسیلة للوصول إلی إقتباس الکرامات الإکتسابیّة ، هي الإستفادة بکلِّ ما في وسع الإنسان من کلِّ الإمکانیّات والإستعدادات والتعقُّل والتفکـُّر والإیمان لیقوم بالأعمال الصالحة و لکي یستفید من رأسمال وجوده في الحیاة الدنیا لینال الکرامة الحقیقیّة. و لذلک فإنَّ الله تبارک و تعالی قد أوحی في الآیات الأولی أنـَّه هو الأکرم کما نری ذلک في الآیة 3 من سورة العلق في قوله تعالی : « إقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ » و هذا ما یستطیع الإنسان أن یغتنمه و یستفید منه في هذا المسیر الذي هو مفتوحٌ له ، لیتوصَّل إلی الکرامة.

و بما أنَّ الإنسان یحتاج إلی الدلیل الذي یهديه في هذا السبیل ، فإنَّ الله جلَّ و علا قد أنزل « القرآن الکریم » الذي هو دلیل الهدایة و الکرامة کما و أنَّ الرسول الذي نزل علیه الوحي أیضًا هو حبیب إله العالمین المصطفی الأمجد إبو القاسم محمّد (ص) و کان هذا الرسول یتکلـَّم مع الناس بالکلام الکریم و یدعوهم إلی الله تبارک و تعالی ، لینالوا الکرامة في الدنیا و الآخرة و إنَّ ما لا شکَّ فیه ، هو أنَّ الذین یستجیبون لهذه الدعوات ، هم الذین لهم الروحیّة و المعنویّة العالیة و لن ینال ذلک من لا یتوسّم بالقلب السلیم و الذاتیّة الطیِّبة.
فنسأله جلَّ و علا التوفیق للتعمُّق في خشیته و طاعته و معرفة قدر نِعَمِهِ و حمده و شكره علی كلِّ ما وهبنا والسعي بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة أنفسنا و العمل الصالح و معرفة سبیل الرشاد و هو وليِّ كل توفیق و له الحمد و الشكر علی كلّ النعم.
و السلام علیكم و رحمة الله و بركاته